حيدر حب الله

21

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ويشهد لذلك أنّ القرآن الكريم نفسه ذكر في آية البغي التي ستأتي إن شاء الله تعالى ، أن حرباً قد تنشب في الداخل الإسلامي ، ويتحمّل مسؤوليتها فريق واحد ، بل الآية تأمر بمقاتلة الباغي ، فلا تحثّ الآية على الفرقة والتنازع ، بل تأمر بقلع مسبّبيهما ، وبالجمع بين الآيات يظهر أنّ المقصود إدخال عنصر البغي في ظاهرة التمزّق ، دون أن تقول : إن كل تمزّق تنساق الأطراف كلّها فيه لأهوائها ؛ فقد يبغي فريق في بدايات الدعوة الدينية ، فيوقع التنازع في الأمة ، وتنقسم الأمة إلى فِرَق ، فالبغي هنا كان مسبِّباً للفُرقة ، لكن لا يعني اتهام الجميع ولا تمام الأجيال بأنّ انقسامها كان عن بغيٍ منها جميعاً . ولعلّ ذيل الآية الأخيرة يوحي بتأثير الأجيال على بعضها ، فهي تقول : ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) ، أي أنّ الأجيال الأولى اختلفت - بعد العلم - عن بغي وهوى ، أما الذين أورثوا الكتاب بعد تلك الأجيال فقد عصف بهم الشك والرّيب ، وتركت نزاعات السابقين أثرها السلبي على الأجيال اللاحقة ، فبعثت فيها الشك ، حتى لم تعد تؤمن بكتابها حقّ الإيمان ، وهذا - في نقطة المبدأ - أحد التفسيرات المشار إليها في هذه الآية ، كما يظهر من بعض التفاسير « 1 » . إذن ، فقد يجني البغي المسبّب للفرقة الدينية على الأجيال اللاحقة ؛ فيورثها الشك والريب في الدين ، وليس ذنبها ، بل قد تكون مستضعفةً حتى لو كانت تناصر هذا الفريق أو ذاك .

--> ( 1 ) انظر : الكشاف 3 : 464 ؛ وجوامع الجامع 3 : 280 ؛ والميزان 18 : 32 ؛ وتفسير مقاتل بن سليمان 3 : 175 ؛ وتفسير النسفي 4 : 98 ؛ وتفسير الرازي 27 : 158 ؛ وتفسير البيضاوي 5 : 125 ؛ وتفسير البحر المحيط 7 : 490 .